محمد حسين الذهبي
523
التفسير والمفسرون
فاسدة ، تتنافى مع ما قرره أئمة اللغة وأئمة الدين ، ولأول نظرة يتضح لمن يطلع عليها أنها لا تستند إلى حجة ، ولا تتكئ على دليل . ومنهم من لم يرسم لنفسه نحلة دينية ، ولم يسر على عقيدة معروفة ، ولكنه لعبت برأسه الغواية ، وتسلطت على قلبه وعقله أفكار وآراء من نحل مختلفة ، فانطلق إلى القرآن وهو يحمل في قلبه ورأسه هذه الأمشاج من الآراء ، فأخذ يؤوله بما يتفق معها ، تأويلا لا يقرره العقل ولا يرضاه الدين . هؤلاء جميعا خاضوا في القرآن على عماية ، فلم يراعوا في فهمه قوانين البلاغة ، ولم يدخلوا إلى تفسيره من باب السنة الصحيحة ، وحسبوا أنهم أرضوا ضمائرهم ، وأنصفوا البحث الحر ، والرأي الطليق . ولولا أن اللّه فيض لهذا الدين رجالا يدرسونه ببصائر تنفذ إلى لبابه ، ويدفعهم الإيمان والإخلاص إلى أن يبعدوا عنه هذه الخبائث ، التي يراد أن تلصق به أو تنزل في رحابه . . لولا هذا لأصاب المسلمين من هؤلاء المضللين شر مستطير ، ولنتج عن أفكارهم وأهوائهم فتنة في الأرض وفساد كبير . وأنا إذ أعرض لهذا اللون من التفسير ، لا أريد أن أذكر أحدا من أصحابه باسمه ولقبه ، إذ ربما كان هذا سببا للفتنة ، وباعثا على العداوة ، وكثير منهم أحياء يرزقون ، ويكفى أن أضع يد القارئ على المراجع التي أنقل عنها تفسير هؤلاء القوم ، وآراءهم في القرآن الكريم ، وهي مراجع ميسورة لكل من يريد أن يرجع إليها ويطلع عليها . وجدنا من أصحاب هذا اللون من ألوان التفسير ، رجلا يكتب بحثا طويلا تحت عنوان ( القرآن والمفسرون ) وفيه يعرض لنواحى التقصير في تفسير كافة المفسرين لكتاب اللّه تعالى ، ويحمل عليهم حملة شديدة نكراء ، ويوجه إليهم جميعا نقده الساخر ، ولومه اللاذع ، بدون أن يستثنى منهم مفسرا واحدا على كثرتهم ، وكثرة المعتدلين منهم . رأيناه يتهم المفسرين جميعا بأنهم تأثروا في تفاسيرهم بعقائدهم ، فأمالوا آيات القرآن نحو آرائهم ، في تعسف ظاهر ، وتكلف غير مقبول « 1 » . ورأيناه
--> ( 1 ) انظر مجلة الايمان العدد الثاني من السنة الثانية سنة 1354 ه .